في مقابل نموذج المدرسة العمومية المغربية التي يرتادها أبناء الشعب توجد مدارس الأعيان، البعثات الأجنبية التي تكرس عدم تكافؤ الفرص وعدم المساواة في الولوج إلى المعرفة، حيث يتم اقصاء و التضيق على ابناء الفقراء. أما أبناء المحظوظين فلهم تعليمهم الخاص ومسالك دولية في قلب المدرسة العمومية بخيارات فرنسية ،اسبانية وإنجليزية لانقادهم من الفشل المعرفي المزمن اليوم يتم تفكيك أوصال هذه المدرسة وبيعها لسماسرة القطاع الخاص وهو ما يتم تكريسه من خلال التدابير ذات الأولوية.
لقد تم تفصيل هذه التدابير على مقاس المصالح الخاصة للفئات المحظوظة في المجتمع . فيقوم التدبير الأول على التركيز على المعارف الأساسية في الكتابة والقراءة والحساب خلال السنوات الأربع الأولى من التعليم الابتدائيّ؛ ثم إدماج المعارف المهنية والتأهيل المهني ابتداء من السنة الخامسة ابتدائي، الشئ الذي يجعل النظام التعليمي منذ سنواته الأولى في خدمة سوق الشغل واي سوق ووفق أي شروط ، خاصة بعد انفتاح المغرب على المناطق الحرة والكل يعلم ظروف العمل فيها و شروط التشغيل و ما يمكن ان يقال عنها انها شكل من أشد اشكال العبودية المعاصرة.
مباشرة بعد تولي محمد الوفا قطاع التعليم سنة 2011، تم تعليق العمل ببيداغوجيا الإدماج. التي ابتلعت الملايير التي رصدت للتكوينات شكلية التي أشرف عليها كزافييه روجيه تحت شعار تقريب التعلمات إلى الواقع المعيش عبر خلق قنوات للاندماج الأفقي للمعارف وفتحها على الوسط السوسيو-اقتصادي ، ليتبين فيما بعد أن تلك التكوينات لم يتم إنجازها بالكامل كما كان معلنا، لتتضح الصورة التي تم التعامل بها مع الميزانيات المرصودة للمخطط الاستعجالي الذي ابتلع الملايير دونما إحداث أي تغيير على مستوى القطاع؛ بإستثناء إغناء الموظفين الفاسدين الذين يتحكمون بزمام القطاع. ليتضح مبعث هذا الارتباك في الاختيارات الاستراتيجية للقطاع و الخطابات المكرورة حول أزمة المدرسة العمومية، ومسؤولية المدرسين في تردي المنظومة.
ما يطبق اليوم على أرض الواقع يأتي من خارج المؤسسات التشريعية، وتقوم الوزارة فيه بمسؤولية تنفيذ التوصيات وتدبير الأمور التقنية والإدارية وتأمين مصالح النافذين (وخير دليل تصريح وزير التربية الوطنية، رشيد بلمختار، أمام البرلمان في جلسة الرد على أسئلة النواب خلال جلسة الثلاثاء 17 نوفمبر 2015)، الواضح انه ليس له اية رؤية أو تصور إنه التدبير الارتجالي المحكوم بالتعليمات والمذكرات التنظيمية الفوقية والمفاجئة في أغلب الأحيان .
يصاب المتتبع بالدهشة لعدد للقرارات التي اتخذتها الوزارة تحت غطاء التدابير ذات الأولوية من خلال المذكرات والمراسيم المتعاقبة في ظرف زمني وجيز. فبعد فتور الحركة النقابية داخل قطاع التعليم ، تم اتخاذ مجموعة من القرارات تمهد لتطبيق العمل بالعقدة الذي يجعل تدبير الموارد البشرية بالوزارة يدخل عهدا جديدا من تقليص الترقيات والتحكم فيها وتقليص الموارد البشرية ، على الرغم من الحاجيات والخدمات المتزايدة لقطاع التعليم. كما أن المرسومين خاصة المتعلق بفصل التكوين عن التوظيف يشكلان مدخلا لتفعيل العمل بالعقدة ومراجعة وضع كافة الموظفين على إلرغم من الخصاص الناتج عن تقاعد الآلاف من المدرسين الذين تم تمديد فترة عملهم قسرا وجورا عبر إصدار قرار وزاري بالاحتفاظ بهم إلى غاية نهاية شهر غشت من كل سنة. كما أن قانون المالية لسنة 2016 حدد عدد المناصب المالية المخصصة للقطاع في 7000 منصبا، وهو العدد الذي لا يغطي سوى نصف عدد المتقاعدين سنويا، لينضاف هذا العدد سنويا لرقم الخصاص الذي يتعمق سنويا مع تنامي الحاجة الى الأطر التربوية، حيث يزداد عدد التلاميذ سنويا فيما يتوسع رقم الخصاص المهول، لتلجأ الوزارة إلى سياسة الضم والتكديس ﻷبناء الشعب المغربي في حجرات و التي لا تتوفر فيها ادنى شروط التحصيل. ولعل حديث وزير التعليم مؤخرا للصحافة يوضح النكبة التي تعيشها المدرسة العمومية، معتبرا تكديس أزيد من 70 تلميذا بحجرات التعليم الابتدائي أمرا واقعا، وضم المستويات قدرا يجب التعايش معه عبر دعوة المدرسين إلى التفكير في إبداع بيداغوجيا، سماها ب"بيداغوجيا" المستويات المتعددة، وهي الظاهرة التي استفحلت بشكل كبير وخطير، خاصة بالمناطق النائية والمنسية ، حيث يتم ضم كل مستويات التعليم الابتدائي في حجرة واحدة وبمدرس وحيد وواحد...
أما على مستوى بنية الاستقبال، فلا جديد يذكر سوى الحديث عن التخلص من البناء المفكك (7000 قسم) والذي دشنت الوزارة عبر تصريحات بلمختار حملة إعلامية واسعة تكشف مخاطر تلك الأقسام التي تجاوز عمر معظمها الصلاحية المحددة في 15 سنة ويزيد (في أغلب الأحيان عن ثلاثين سنة)، حيث كشف الوزير من خلال مداخلاته المتعددة عن تسبب تلك الحجرات في مرض السرطان لمرتاديها بسبب مواد تستعمل في بنائها، فتم الشروع في تفكيك الأقسام دون تعويضها أو إعطاء حلول من أجل تجاوز الاكتظاظ الناتج عن إزالتها. وعوض ذلك، تستمر الوزارة في سياسة تفويت مجموعة من المؤسسات إلى القطاع الخاص والتماطل في فتح مجموعة من المؤسسات بدعوى الخصاص في الأطر التربوية. في وقت تقول فيه المعطيات الرسمية، بغض النظر عن ما يشوبها من اختلالات، أن قرابة 370 ألف طفل يغادرون المدرسة سنويا، وأكثر من مليون طفل يتراوح عمرهم ما بين 9 و14 سنة خارجها.
يعتبر قطاع التعليم بالنسبة لرأس المال قطاعا مفتوحا على الربح المضمون. فالسلعة متوفرة (المعرفة) والمستهلك موجود وبكثرة (التلميذ) والآباء مستعدون للدفع مقابل انقاد أبناءهم من الرداءة التي تقبع فيها المدرسة العمومية ومن غياب الجودة ، وهو الشعار المحوري الذي عبر عنه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي عبر من خلال التقريرين التركيبي والتحليلي عن تصوره الذي يعتبر مدخلا لمزيد من الاختراقات للقطاع الخاص ومزيدا من وضع القطاع رهن إشارة المستثمرين سواء من داخل القطاع أو من خارجه. ولعل أزمة الخصاص الممنهجة وما تخلقه من اكتظاظ وتدمر تستهدف التهجير القسري للتلاميذ نحو القطاع الخاص، وهو ما نجحت في تحقيقه نسبيا في أوساط التلاميذ المنحدرين من عائلات ذات دخل يسمح في حدود ما بالتضحية لانقاد أبنائها. فأقسام المؤسسات العمومية أصبحت تغص بمرتاديها في ظل نقص خطير في الموارد البشرية والذي يتفاقم كل موسم دراسي في ظل السياسات القائمة على تقليص المناصب المخصصة للقطاع وفي ظل فصل التكوين عن التوظيف عبر إصدار المرسومين المشؤومين اللذين يفتحان مصير المتخرجين على العمل بالعقدة من داخل القطاع العام أو الخاص، أي يتم تقديم هدية سخية، مدعمة من جيوب الكادحين ، للقطاع الخاص الذي طالما اشتكى من غياب الأطر المؤهلة للعمل به في ظل صدور مذكرة نهاية الموسم الدراسي 2014/2015 تمنع استقطابه لمزيد من الأطر من القطاع العام. وتنضاف هذه الهدية إلى الإعفاء الضريبي الذي يستفيد منه أرباب المؤسسات الخاصة، في غياب أي تأطير فعلي وأي مراقبة جدية لمدى التزامهم بدفاتر التحملات المقدمة.
